خصوصية إمارة المؤمنين والتميز المغربي تاريخا وعقدا وعطاء

خصوصية إمارة المؤمنين والتميز المغربي تاريخا وعقدا وعطاء

من الخصوصيات الدينية التي تميز بها المغاربة عن كثير من التجمعات العالمية، وانفردوا بها عن نظم الحكم بين الدول الإسلامية، اجتماع أهله على سنن التزموا بمقتضياتها، واتحادهم على أصول اتفقوا على مستلزماتها، تحقيقا لواجب الاقتداء بالسلف في تدينهم عبر القرون، وتثبيتا للألفة بينهم في مختلف الشؤون، وتحصينا لبنيهم من بلية التفرق، وتبعيدا لهم من رزية التمزق، جماعها المتأصل المتفرد، ورابطها المتأثل المتوحد في: العقد الأشعري المتفنن، والمذهب المالكي المتسنن، والتصوف السني المحقق لليقين، وإمارة المؤمنين إحدى شرائع الدين؛ “لأن بوجودها وقوة امتدادها، وانبساط يدها وقدرة سلطانها، ونفاذ عدل قوانينها، تتعزز بها الطاعات، وينكبح بها جماح الشهوات، وتندفع بها عوارض الشبهات وما تثيره من نزغات وميولات، وتصرفات معوصات، فيرتفع كثير من الظلم والبغي والاستبداد، ويخف أكثر ما يجري عند فقدها من الفساد، وينضبط بها مسار معاش العباد… وكل ذلك يبين أن للرئاسة دخولا في الدين أصيلا قويا، وللإمارة سندا متينا عتيقا أمينا.

وكيف يدفع تأثير الرئاسة المُبَايَعَة في أمر الدين، أم كيف تحقر ضرورتها في جريان الأحكام في مجتمع اليقين، مع حصول التعالم بتقليلها لكثير من مستبشع المقبحات، وتكثيرها لفعل ما يلزم من الواجبات، وتيسيرها أسباب انتظام الارتفاقات والبياعات، وتأمينها للعلاقات والتنقبات ومختلف التصرفات.

وقد اتفق أهل العلم المحتج بهم، واتحد أصحاب الرأي المعول عليهم، أن إمارة المؤمنين التي قامت هيبتها في النفوس، وارتبط بها حق الأمن الروحي المحروس، من النعم الأساسية الكبرى، والفضائل السَّنية العظمى، التي حمت شعائر الدين من التغيرات، وصانت الثوابت من المشوشات، وحفظت باقي المقومات من المنغصات، وضبطت العلاقات وأنواع التكتلات، وحققت للمغاربة نعمة الاجتماع التي تم بها نظام الدنيا، وصلح عليها نظام التدابير العليا، وَتَحَصَّلَ بها التوحد المتين بين المواطنين، وانبسط بها الأمن الحصين في شتى الميادين، ليأخذ الناس حقهم في كرامة حيواتهم، وحماية أعراضهم، وصيانة ممتلكاتهم، وتأمين متصرفاتهم، وإعطائهم مستحقاتهم، وتمتيعهم بحرياتهم، ورفع مظالمهم المقلقة، وطرد حاجاتهم المعوصة، وكشف كرباتهم التي تغشاهم عند حلول الكوارث، ودفع مستكرهاتهم عند نزول صعاب الحوادث، والحيلولة بينهم وبين ما يفسد أغراض إنسانيتهم، ويصرفهم عن تنزيل مقتضيات استقلالهم.

وقد جعلت إمارة المؤمنين المبنية على البيعة الشرعية على عاتقها هذا الواجب المقدس في تجسيد هذا الخير، وتحملت أعباء التقليل مما يضاده من الضَّيْر، تنفيذا لمقتضى العقد المتجدد، وتنزيلا لشرط البيعة المتجسد، الذي يرعى تناقل السمعيات، ويصون مقاصد الشرعيات، يربط بين الراعي والرعية، ويحرس الحقوق المرعية، ويصون العادات الجمعية، في أفق إقامة مظاهر الشريعة، وتثبيت جودة التدين بحسن الذريعة، وتعميم السلم الاجتماعي الذي هو من أكبر مهام إمارة المؤمنين، وترسيخ الأمن الروحي أجل مقاصدالتولي على المسلمين، الذي تحرص عليه بجدية متفردة، وتتفرغ له بعزيمة متقصدة؛ لأن الدين والسلطان في ثقافة المغاربة توأمان متلازمان، وعنصران يجتمعان ولا يتفرقان، ويتآلفان دوما ويتناصران، إذ لا قوام لأحدهما إلا بقرينه، ولا بقاء لواحد منهما دون قسيمه. وقديما قيل: إن مثل الملك والدين، مثل الروح والجسد، فلا انتفاع بالروح من غير جسد، ولا بجسد من غير روح.

ولهذا قال الله تعالى: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. [الحج: 40]. الذي بين العلامة الراغب الأصفهاني، أن فيه تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه لما استتب أمر العالم[1].

وقد بين حجة هذا المقصد من وجوب نصب الإمام الموكول إليه سياسة الدنيا بالدين، وجمع القلوب على الثوابت في بلاد الموحدين، وكشف المحجة القاصدة بالبيعة في مجتمع المسلمين، قول العلامة عبد الرحمن بن خلدون: إذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة ـ أي من قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامهاـ لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها «سنة الله في الذين خلوا من قبل» . فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا. [المؤمنون: 115]. فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم، «صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الارض. [الشورى: 53]… فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم، وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به…[2

إمارة المؤمنين إحدى شرائع الدين؛ “لأن بوجودها وقوة امتدادها، …، ونفاذ عدل قوانينها، تتعزز بها الطاعات، وينكبح بها جماح الشهوات، …، فيرتفع كثير من الظلم والبغي والاستبداد” وكل ذلك يبين أن للرئاسة دخولا في الدين أصيلا قويا، وللإمارة سندا متينا عتيقا أمينا

ولأجل عظم قدر إمارة المؤمنين في صيانة أحكام الدين، وتأمين تجمع المواطنين، أجمعت الأمة على وجوب نصب الإمام، وتعيين من يضبط النظام العام، كما نص عليه العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في معرض شرحه لقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة:30]: قال رحمه الله: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. ودليلنا قول الله تعالى: “إني جاعل في الارض خليفة” [البقرة: 30]، وقوله تعالى: “يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض” [ص: 26]، وقال: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض” [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي.

وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين[3].

إن من المتعين على من اختير إماما للأمة بعد البيعة الخاصة بشرطها في النصح، والآكد في جنب كل من اجتبي سيدا في الأمة بالتبايع قصد النجح، أن يتميز بعدالته وخاص سماته، الجامعة لقدر علمه وعمله، والدالة على وعيه وحسن خلقه، والشاهدة على فضله وطيب محتده، والناصة على قوته وأمانته، والمقنعة بحكمته وتمام كفايته، التي بها يفلح في القيام بالشروط الملزمة، وينجح في تنفيذ الأعمال المبرمة، للوفاء بعقد الالتزام المنصوص عليه في وثيقة البيعة الموقعة الملزمة، التي تتم بين الراعي والرعية كل سنة بشروطهاالشرعية، وآدابها المرعية، والقيام بالقسط برسمه، وإقامة الوجه لله بأمره، والنصح للرعية والرحمة بهم، والرعي لهم والشفقة عليهم، والقرب منهم لكشف كرباتهم، وطرد جوعاتهم، وقضاء حاجاتهم التي يطيقها الدرع، ويتحملها الوسع، مع لزوم السداد، والتماس طريقة العدل والرشاد، وانتهاج نهج الإنصاف، ومفارقة أنواع الظلم والاعتساف، ومعالجة أشكال الفساد، وتسهيل طرائق المعاش على العباد، ليقع شأنه في سياسة الناس على مستلزمات الولاية على المسلمين، ويظهر عهده في تأمين مرافق المواطنين، تيسيرا لجريان الواجبات، وأداء للحقوق اللازمات، وفضا لأشد النزاعات، وفصلا في ضروب التخالفات، وتركا لصنوف المقبحات والفعال المستكرهات، التي جاءت الإشارة إليها في قول الله تعالى: الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور [الحج 41].

وقد ذكر الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري رحمه الله في كتاب السياسة[4]، والماوردي في الأحكام السلطانية[5]، وابن رضوان في الشهب اللامعة في السياسة النافعة[6] كلاهما عنه، جملة من الأمور العامة التي تلزم أمير المؤمنين نحو رعيته، وتفرض عليه بحق التزامه بشرط بيعته، أداها ولي أمرنا ـ سلمه الله ـ وافية بحق استشعار أمانته، ووفى بها ـ قواه الله ـ بمقتضى شروط ولايته، من أهمها المعدود، وأجلها المشهود:

أ ـ حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن [نبتت نابتة أو] نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل. [لأنه يقوم في الأمة مقام نبيها صلى الله عليه وسلم، ويمثل جانب إمامته الدينية بما أحكم وأبرم، لتتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعاندة؛ لأن في طباع البشر من المغالبة والقهر ما لا ينفكون عنه إلا بمانع قوي، ورادع كفي..[7]].

ب ـ رعاية تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، عن طريق من يتولون تحت إشرافه خطة القضاء، ومن ينظر في الحقوق من الأكفاء،حتى تعم النصفة الخصوم، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، ولا يرد عن حقه مغبون ولا محروم، [فتتحقق غاية الشريعة في قيام الناس بالقسط، وتؤدى الأمانة بالفصل في الحكم، استحضارا لقول الله تعالى: “إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.” [النساء: 58] .

ج ـ حماية الجماعة، والأَصل، وموضع الدولة، والذب عن الحريم وحق الحرية وشرف الحرمة، ليتصرف الناس في معايشهم آمنين، وينتشروا في الأسفار مطمئنين؛ [لأن الله تعالى جبل الناس على حب الانتصاف، وكراهة صنوف الاعتساف، ومثلهم بلا سلطان مثل الحيتان في البحر يزدرد ـ أي يبتلع ـ الكبير والصغير، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم معاش، ولم يهنئوا بالحياة[8]].

د ـ تحصين الثغور بالعدة المانعة، وحماية الحدود بالقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما؛ خصوصا عندما يظهر العدو الحاسد، والمنازع الحاقد الذي يريد اقتطاع الحق أو إضعاف القوة، وإيقاع محسوده في مستنقع الهوة، أو إشفاء النفس المتشوفة إلى التوسع والتميز والهيمنة، وإرضاء الروح المتدسية الراغبة في السيطرة، المتطلعة بحرص شديد إلى إيقاع المُطْمَع فيه من التقسيم، وبلوغ المرغوب فيه من التصغير والتحجيم، منازعة للمعلوم من الحق الشرعي، ومعاكسة للامتداد التاريخي المجيد، ومضادة لموروثه الثقافي التليد.

هـ ـ استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء، فيما يفوض إليهم من الأعمال الكبرى المتعلقة بشأن الأمة، والمهام العظمى التي تحمي من شر الغمة، لحاظا لكبريات مصالحها، وإعظاما لقدر أولوياتها، وما يلزمهم به من الأعمال، وما يكله إليهم من الأموال، لتكون الأفعال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، وبالأخلاق مصونة، وبالإنصاف مطبوعة، وبالعدل المقصود في الابتعاث مصبوغة.

وقد دل على أهمية هذا الاستكفاء، وانتقاء الأنقياء، من جميع الفرقاء ومختلف الشركاء، قول الله تعالى: واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. [طه: 29 ـ 35]؛ “لأنه لو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق بذلك كليم الله موسى بن عمران.. ودلت الآية على أن موضع الوزارة أن يشد قواعد المملكة.. وكما أن أشجع الناس يحتاج إلى السلاح، وأفره الخيل إلى السوط، وأحد الشفار إلى المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير[9]“.

و ـ مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، نهوضا بسياسة الأمة، وحراسة الملة، فقد يخون الصادق المأمون، ويتحاسن[10] بالنصح المبطل الخؤون، وقد قال الله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [ص: 26]. فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مُسْتَرْعٍ.[11]“.

ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم من يؤتى الولاية في أمته بعد ذهابه في قوله: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بجماعة المسلمين، أن يعظم كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر عالمهم، وأن لا يضربهم فيذلهم، ولا يوحشهم فيكفرهم، وأن لا يخصيهم فيقطع نسلهم، وأن لا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم[12].

وحمله مسؤولية ولايته يوم لقائه لخالقه في قوله: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير راع على الناس وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، وامرأة الرجل راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عن بعلها ورعيتها، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[13].

[فوجب بذلك] على كل من كان راعيا، لزوم التعاهد لرعيته، [ومن عين رئيسا أن يرقب بصدق نيته عاقبة مسؤوليته]، فرعاة الناس العلماء، [وهداتهم المربون الحكماء] وراعي الملوك العقل، [وراعي القضاة العدل]، وراعي الصالحين [مربوبهم، وراعي المتعلمين معلموهم]، وراعي الولد [من ولد]، كما أن حارس المرأة [من عقد]، …وكل راع من الناس مسئول عن رعيته، [وكل محكوم مرتهن بنيته]، وأكثر ما يجب تعاهد الرعية للملوك إذ هم رعاة لها، [وأسمى ما يلزمهم مراعاة نهايتهم التي ينتهون إليها]، إذ هم أرفع الرعاة لكثرة نفاذ أمورهم، وأشرف السعاة لعقد الأشياء وحلها من ناحيتهم[14]“.

وقد صار من المسلم به في صحيح المعلوم، وشاع في المتعارف عليه في مستصوب الفهوم، أن صلاح سرائر الناس تابع لصلاح ظواهرهم، وأن انتظام معاشهم دليل على استقامة أمورهم، وسكينة أرواحهم شاهدة على حسن طريقتهم فيما يظهر من فعالهم المنبثقة عن استقامة ضمائرهم.

ز ـ الرفق بالرعية ورحمتهم، ومواساتهم فيما يعرض لهم,وإحياء خلق التضامن فيهم عند نزول المكاره بهم، وهذا الوصف من مقتضيات البيعة، وهو لازم لكل من تولى أمر المسلمين، وهو مميزات عهد أمير المؤمنين محمد السادس أمير المؤمنين، الذي أنهى المتعالمَ من حاله أنه تحقق بها، وأنه أعد المبتغى للسبق بسببها، فدفع الله به الكربات، وسد الحاجات، وأدخل المسرات، ووحد التجمعات، وقوى الصلات، ودفع به المخاطر والمستقبحات، ورد به ما يستبشع من المظالم المستشنعات، فضمن بذلك محبة الناس وطاعتهم، وحقق استجابتهم إذا أمرهم أو دعاهم، وبلغ المبتغى من مسارعتهم إلى منافعهم ودفع مستقبح التشرر عنهم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالا أعلى في رحمته، وأنموذجا أسمى في شفقته ورأفته، إذ شمل رفقه الصغير والكبير، وعمت رحمته الغني والفقير، ووسعت رأفته الرفيع والحقير، وكل أنثى، كبرى أو صغرى.

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله تبارك وتعالى رفيق، يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف[15]“. و”من يحرم الرفق يحرم الخير[16]” و”إن شر الرعاء الحطمة[17] ـ أي العنيف[18] ـ”

وعن عبدالرحمن بن شُمَاسَة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي، أن أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به[19].

إن انعقاد البيعة بشروطها الشرعية المرعية في التولية، وتصريف الحكم على ضوء الإلزامات القولية والفعلية، الموفقة بين الحاجات الاجتماعية، ومسلمات السلوكات الدينية، تلزم الأمة بحقوق معلومة في حق إمامهم الذي بايعوه، وتوجب عليه تكليفات مسطورة في جنب سلطانهم الذي أقاموه، ليبرءوا من تبعات شؤم العصيان، ويسلموا من مشابهة أهل الطغيان، المؤدي إلى فتنه الخروج على اتفاق أمتهم، والخلاف لما مضى من إجماعهم، وتفريق الشأن الجامع في الأمة، والتسبب في الوقوع في مستكره الغمة، التي لا يمكن معها للجماعة أن تقوم بحق الشهادة على العالمين، ولا بأن تكون مثالا صادقا للمخالفين، إذ يخلفها عن مواجب سيادتها، وينكصها عن إقامة برهان خيرتها، ويعجزها عن بلوغ قصدها في تفوقها على غيرها.

ولأجل ذلك يلزم الأمة كل الأمة بحق البيعة التي تمثل الرابطة الاجتماعية في أجلى صورها، وتفرض عليها بحق العقد الإمامي الذي يوحد الأمة ويصون اجتماعها، أن تدل على صدقها في بيعتها لإمامها، وتبرهن على يقينها في الوفاء بوعدها، وشكرها لكلفة سياستها، ومشقة تدبير أمرها، وتنظيم شأن معاشها، بالتزام الطاعة الموجبة لأداء الحقوق المطلوبة، الموافقة المعينة على الاستجابة المرغوبة، المُقَدِّمَة للمصلحة الجماعية العليا، على الرغبة الفردية السفلى، ولو كان فيها ذهاب النفس المعصومة، وفوات المطلوبة المقصودة، إذا رأى أمير المؤمنين مصلحة الأمة في ذلك، وابتغى مساندته في دفع المهالك لحصول الاتفاق على تقديم سلامة الأمة على سلامة الأفراد عند التعارض، وإيثار بيضة الملة على رغبات آحاد الأنفس عند وقوع التناقض؛ لأن الناس إذا فكروا بصفتهم أعضاء في الكل الاجتماعي، ونشدوا مصالح هذا الجمع الائتلافي، وارتقوا أن يستغرقوا بصفتهم أفرادا متباعدين في مصالحهم الخاصة، أو ينهمكوا في السعي نحو المرسوم من مطلوباتهم ومشتهياتهم السارة، ليبلغوا شرف الأشراف، ويحيوا ما تقادم من طيب الأعراف، انطلاقا من ثوابتهم الجامعة لخيرهم العظيم، واستلهاما من اختياراتهم الهادية إلى مواقع الفضل العميم.

وهذا لا شك مضمن في قوله صلى الله عليه وسلم: من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه[20].

ثم بالمعاضدة في تدبير أمور المؤمنين، والمناصرة في قيام شأن التدين والدين، قياما بحق التناصر بين المسلمين، وأداء لواجب حفظ الوطن ودفع اعتداء المعتدين. وفي هذا جاء قول الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائد ة: 2]، ولا أعلى من معاونة الإمام على إقامة الدين ونصرته، ولا أدنى من معاكسته واستصغار أمر طاعته. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “من خرج من الطاعة، أو فارق الجماعة، مات ميتة جاهلية…[21]“، ـ أي مِيتةَ فِتْنَةٍ وجَهالة وضلالة، كالقِتال في الْأهْواء، الذي لا يعرف فيه المحق من المبطل ـ ومن قاتل تحت راية عِمِّيَّةٍ[22]، ـ أي التي يجتمع الناس فيها على أمر مجهول، لا يعرف أنه حق أو باطل، فيدعون الناس إليه ويقاتلون له[23] ـ يغضب بعصبية، أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية. فذم صلى الله عليه وسلم ـ الخارج تحت راية عِمِّيَّةٍ، والداعي إلى فتنة العصبية، ـ محامَاة لمساندة إخوانه، ومُدافعَة لنصرة أوليائه، ظالمين أو مظلومين، وهو مستلزم لنصرة الدين، ودفع مغامرات النائين من المناوئين.

أحق ما ينبغي أن نتعاهد على تركه في زمن الحجر الصحي… لنرتقي إلى معالي الأمور تأدبا، فنُكْفَى شر العناء والوباء، ونُؤَمَّن من شر الأدواء والغَمَّاء… أن نجأر إلى الله تعالى بخالص الاعتذار، وأن نتوب إليه مما سلف من الغفلة والاغترار، وأن نهجر ما عُلِمَ أنه من الذنوب الكبار

ثم بالإجلال والتوقير، والإكرام والتقدير، بتعظيم قدر أمير المؤمنين في النفس، وتقدير أمره في الأحوال بلا بخس، لقيام كثير من الصالحات بنفاذ أوامره، كالدين في أصوله ومقاصده ومفترضاته، والأمن الروحي والاجتماعي بضروراته، وطرائق المعاش باختلافها، ومسالك الكسب بضروبها وأنواعها…

ومن مقتضيات التفضيل والتوقير، وموجبات التبجيل والتعزير: مراعاة شرط مجالسته، واستحضار طريقة مخاطبته، وتخصيصه بنوع السلام المأذون فيه، وتكريم الأمر الخارج من فيه، لأن من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله[24]؛ ولأن إكرامه من إجلال الله تعالى، وتوقير جنابه يعلو به القدر ويتسامى. لقوله صلى الله عليه وسلم: إن من إجلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط[25].

ثم الدعاء له بظهر الغيب في الأحوال، أو بحضور الشهود عند صالح الأعمال، وهو دال على صدق الولاء، وَمُعْلِمٌ بشدة الوفاء، ومنبئ عن استشعار أهمية الإمامة والائتمام، ومقنع باستحضار فضل انتظام الأمر العام، خصوصا في المناسبات التي ترجى فيها الإجابة وأوقات النفحات التي تعظم فيها الإثابة، أداءً لبعض حق العلاقة الشرعية المتبادلة بين الراعي والرعية، وإعظاما لمقاصد الملة وأحكامها الشرعية، وإكبارا لتدبير سياسة الدنيا على منهج الله تعالى في مهمة الإمامة، وإجلالا للقسط الذي جعله الله تعالى مقصد النبوة وروح قيمة الأمانة.

فعن مسلم بن قرظة عن عوف بن مالك، عن رسول الله صـلى الله عليه وسلم قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ـ أي ما دمتم على قيد الحياة، فإذا جاء الموت يترحم بعضكم على بعض، ويذكر صاحبه بخير[26]ـ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ـ أي تدعون لهم، ويدعون لكم ـ وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة[27]؛ “كانت قليلة أو كثيرة[28]“؛ لأنه سنة ماضية ـ عمن سلف ـ لم تزل الأئمة والعلماء يأمرون بذلك[29]. ويحذرون من جحود فضل الإمامة وشرفها، وينذرون من استسهال بلية الطعن فيمن أقامهم الله فيها، لتأمين تجمع الخيار، ودفع أنواع المضار، وحماية العقائد، وصيانة المقاصد، واجتلاب المنافع، وطرد قبائح المطامع، وإقامة الشعائر، وتغيير المناكر، كما يدل على ذلك قول سعيد الطائي: سمعت أبا إدريس الخولاني، ـ وهو يقص في زمان عبد الملك ـ، يقول: «إياكم والطعن على الأئمة؛ فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين ليس حالقة الشعر، ألا إن الطعانين هم الخائبون، وشرار الأشرار[30]».

إن لإمارة المؤمنين في مغربنا العزيز، أيها الفضلاء ـ سمات لا تنكر عند المتبصرين، ومميزات تُفْرِد نظامها في العالمين، أساسها: قيامها على البيعة الشرعية، وفسطاطها انفرادها بالصفة الدينية الجماعية، وجمالها التصاقها بالنسب الشريف، وبهاؤها تقلبها في مسار العرق الحنيف، وقاعدتها ارتباطها بالشريعة الإسلامية السمحة، وإمضاؤها لقواعدها المقاصدية السهلة، القاضية بالتفرغ لحماية الملة والدين، والحفاظ على وحدة جماعة المسلمين، والنفي لتحريف الغالين، والدرء لانتحال المبطلين، والدحض لتأويلات الجاهلين، ثم جمعها بين أمور الدين والتدين الجامعة، وبين احتياجات الدنيا الماتعة، وتجميع الأمة على اختلاف أعرافها ولهجاتها، وتأليفها على تنوع خصوصيات أقاليمها وجهاتها، وتحبيبها في المتوارث من عادات سكانها، وتمثيلها للأمة التمثيل الأسمى، وتحكيمها في ما تعلق بالشأن الجمعي الأعلى، التي لا يُسْمَح بالتَّسَوُّر عليه في الثوابت والمرجعيات، ولا يُقبل التشويش عليه في ما يخص أفراد الخصوصيات، المتوجة بالتواصي على تجديدها كلما مر عليها عام، ببيعة الكبار من خاصة الأعيان وكرام الأعلام، مع فضيلة تواصي الفضلاء بالدعاء لها في المنابر المختلفة، والتماس البركات لها بعد الصلوات المفترضة والمتنفلة، وفي مختلف المناسبات المعلومة المرتبة، والاحتفالات المشهودة المأثلة، لما يعلمون من أهمية إمارة المؤمنين، في قيام أمر الدين، ولما أحاط العلم به من أثرها في تأليف كلمة المسلمين، التي بها يحصل السناء والرفعة والتأمين، وقدرها في استجلاب النصر وتحقيق أسباب التمكين؛ تأسيا بأئمة السلف الصالح الذين جعلوا نفع الناس من أجل القربات التي ينفعل بها الوجود، وأدرجوا أنواعها في أشرف العقود، وأمتن العهود وأنبل القُصُود، مثل الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي، الذي سمعه تلميذه عبد الصمد بن يزيد يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام، قيل وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام، فإصلاح الإمام، إصلاح العباد والبلاد. قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا، قال: “أما إصلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخرابات، فتركوا الأرض، وأما العباد، فينظروا إلى قوم من أهل الجهل، فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره، فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر، يقول لرجل: لك ما يصلحك، وعلم هؤلاء أمر دينهم، وانظر ما أخرج الله من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم فقال: كذا صلاح العباد والبلاد[31]“.

إن هذه الخصوصيات المتفردة، والمميزات المتقدمة المتعددة، توجب ـ أيها الأحبة ـ الاعتزار بهذه الإمارة ومقوماتها، والافتخار بعطاءاتها وبركاتها، والتباهي بصالحاتها وإثماراها.

وسر هذا الاعتزاز أن هذه الإمارة المصونة حققت للأمة أمنها الروحي، وسلمها الاجتماعي، وقَدْرَها الأممي، الذي فقدته كثير من الدول العربية، ونأت عنه جمهور التجمعات الإسلامية، التي لم تقدر الثوابت الجامعة قدرها، ولم تعط للخصوصيات الموحدة حقها، وألقت أمر الدين لكل ناعق، وسكتت عن الخروج من كل مارق، فأورثها ذلك فرقة واختلافا، وألبسها ذلا واستخفافا واستضعافا، أدى إلى شيوع فتنة التبديع والتفسيق، وهدى إلى التصنيف بالتكفير، وأفضى إلى المستقبح من التشهير والتخويف والتدمير، الذي أورث التجادل ومستقبح التحاجج، وأعقب فتنة التقاتل ومعرة التهارج، الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهى إلى التباغي الذي أنذر شره شرفه الله وكرم، في حديث أبي موسى الأشعري الذي قال فيه: ألا أحدثكم حديثا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثناه فقلنا: بلى يرحمك الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا أن بين يدي الساعة الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: الكذب والقتل. قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه. قالوا: سبحان الله، ومعنا عقولنا؟ قال: لا، إلا أنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان، حتى يحسب أحدكم أنه على شيء، وليس على شيء. والذي نفس محمد بيده، لقد خشيت أن تدركني وإياكم تلك الأمور، وما أجد لي ولكم منها مخرجا فيما عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم الا أن نخرج منها كما دخلناها، لم نحدث فيها شيئا[32].

وصدق هذا الخبر في ظاهر حياة الناس بعض دول المسلمين اليوم، التي أدخلت أممها في مجال السوم، بسبب تجاهل عامة أهل الحل والعقد فيها لأمر الجماعة وشأن جوامعها، وتغافل خاصة أهل السياسة لشأن البيضة وحوافظها، وتفريق مصادر الإفتاء العام المعبر عن شتاتها، والتحقير لأهمية الثوابت في توحيد تعبدها واجتماع أمرها، فأوقعها ذلك في شر الاختلاف والفرقة، وأبعدها عن مصاديق معاني الوحدة والرحمة والألفة، فذهبت بذلك قوة الريح، وفقد التعايش المسعد المريح، وتجرأ على مقدرات الأمة أعداؤها، وتربص بها مبغضوها ومناوءوها، الذين يحتالون دوما على خصوصياتها، ويتداعون سرا وجهرا على اختياراتها ومقومات وجودها.

وأشرف ما نختم به هذه الفقرات المذكرات، وأنفع ما نتوج به هذه الإيقاظات المسعدات، قول أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله في نطقه السامي، وما أفاده نصه المؤسس ببيانه القاصد المتعالي عندما قال: …فإن للمواطنة الكاملة، التي ننشدها لكافة المغاربة، مرجعياتها الدينية والوطنية التاريخية، المتمثلة في الإسلام والملكية والوحدة الترابية والديمقراطية. فالإسلام السني المالكي، المعتدل والمنفتح، الذي ظلت إمارة المؤمنين ساهرة على حمايته، ونقاء عقيدته السمحة، مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، قد شكل، عبر العصور، البوتقة التي انصهرت فيها كل مكونات الهوية الوطنية، الموحدة، الغنية بروافدها الحضارية المتعددة. وبقدر تمسكنا بما يميز الملكية المغربية من مشروعية دينية ودستورية، وروح شعبية، ووطنية تاريخية؛ فقد ارتقينا بها، إلى ملكية مواطنة، من خلال ما حققناه من تطور ديمقراطي، وعمل تنموي، وتحرك ميداني[33].

والحمد لله رب العالمين

وكتبه تذكرة لأحبائه من أبناء أمته وأودائه، على اختلاف مراتبهم، وتكامل اختياراتهم، وتعدد انتماءاتهم، وتباين الجزئيات من اجتهاداتهم

إدريس ابن الضاوية

20 ذو القعدة 1441

12 يوليوز

—————————-

الهوامش:

[1] تفسير الراغب الأصفهاني 1/514، وانظر الاقتصاد في الاعتقاد ص: 128، وإحياء علوم الدين 1/17. قال إسماعيل حقي الخلوتي الإستانبولي: والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج الى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الأنبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب ان يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر في اقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض. وتفصيله أن دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفى. فالظاهر ما كان بالسواس الأربعة الأنبياء والملوك والحكماء المعنيين بقوله (ومن يوت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا) والوعاظ. فسلطان الأنبياء عليه السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل نحن ملوك أبدانهم لا ملوك أديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة. وأما الدفع الخفي فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب في التزام سلطان الظاهر. روح البيان 1/ 392

[2] تاريخ ابن خلدون 1/ 238

[3] تفسير القرطبي1/234. قال القاضي الشريف الرضي: وقد اعتمدا، أي الجبائيان ـ وغيرهما على ما ثبت من إجماع الصحابة لأنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فزعوا إلى إقامة الإمام على وجه يقتضي أن لا بد منه، وما نقل من الأخبار، وتواتر في ذلك يدل على ما قلناه من حالتهم عند العقد لأبي بكر يوم السقيفة، ثم بعده لعمر، ثم بعده في قصة الشورى وما جرى فيها، وبعده لأمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد علمنا أن التشدد في ذلك على الوجوه التي جرت منهم حالا بعد حال لا يكون إلا في الأمر الواجب الذي لا بد منه… الشافي في الإمامة 1/120

[4] انظر مقالا للعلامة إبراهيم الكتاني “شذرات من كتاب السياسة لابن حزم” المطبوع مع كتاب بدائع السلك 2/515.

[5] الأحكام السلطانية 26

 [6] الشهب اللامعة 74

[7] انظر الشهب اللامعة، ص: 59 نقلا عن ابن حزم بتصرف

[8] سراج الملوك 1/198 بتصرف

[9] سراج الملوك 1/287

[10] التحاسن: التظاهر بأن الشيء حسن.

[11] انظر الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 51

[12] البيهقي في الكبرى 8/161

[13] أخرجه البخاري برقم 844 ومسلم برقم 3408

[14] روضة العقلاء، ص: 268، بتصرف ملحوظ في الجمل المضافة في السياق.

[15] الموطأ برقم 1767

[16] مسلم برقم 2592

[17] مسلم برقم 2592

[18] مشارق الأنوار 1/192

[19] مسلم برقم 1828

[20] مسلم برقم 141

[21] مسلم برقم 1848

[22] العِمِّيَّا بالكسر والتشديد والقصْر: فِعِّيلَى من العَمَى كالرِّمِّيَّا من الرَّمْي والخِصِّيصَي من التَّخْصِيص وهي مَصادِرُ. والمعنى أن يُوجَد بينهم قتَيل يَعْمَي أمرُه ولا يَتبيَّن قاتِلُهُ. النهاية في غريب الحديث 3/576

[23] الكاشف عن حقائق السنن 8/2561 وانظر المجازات النبوية 333

[24] البيهقي في الكبرى 8/163

[25] البيهقي في الكبرى 8/163

[26] الكاشف عن حقائق السنن 8/2562

[27] مسلم برقم 1855

[28] انظر الكاشف عن حقائق السنن 8/2564

[29] انظر الرد على أهل البدع لمسلمة بن القاسم القرطبي 34

[30] الأموال لابن زنجويه 1/ 80

[31] السنة للبربهاري ص: 114، وتاريخ دمشق 48/447 ووفيات الأعيان 4/48 وسير أعلام النبلاء 8/434

[32] أحمد 4/406، وانظر مسند عبد الله بن المبارك ص: 160، ومصنف ابن أبي شيبة 7/480، والفتن لنعيم بم حماد 1/64، والمسند البزار 8/56، ومستدرك الحاكم 4/565

[33] في خطاب العرش لسنة 2005

[/et_pb_text][/et_pb_column][/et_pb_row][/et_pb_section]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *